صاموا حتى الموت للقاء المسيح.. 200 عام سجناً لزعيم طائفة دينية حوّل غابة كينية إلى مقبرة جماعية!

تقرير : نور الحمدان

في واحدة من أكثر الجرائم المروعة التي ارتُكبت تحت غطاء المعتقدات الدينية، أسدل القضاء الكيني الستار على فصل رئيسي من مأساة إنسانية هزّت العالم، بعدما أصدر حكماً بالسجن لمدة 200 عام بحق زعيم طائفة دينية أقنع أتباعه بأن الموت جوعاً هو الطريق للوصول إلى المسيح، في قضية كشفت عن مقتل مئات الأشخاص، معظمهم من الأطفال.

وأصدرت المحكمة العليا في مدينة مومباسا الكينية، يوم الجمعة 6 نوفمبر 2026، حكماً بالسجن لمدة 200 عام بحق بول ماكينزي (Paul Mackenzie)، مؤسس جماعة «كنيسة أخبار الخير الدولية»، بعد إدانته بالمسؤولية عن مقتل 191 شخصاً، بينهم 190 طفلاً، في مأساة عُرفت عالمياً باسم «مذبحة غابة شاكاهولا».

من الوعود بالخلاص إلى الموت جوعاً

بدأت المأساة عندما استغل ماكينزي المعتقدات الدينية لأتباعه، وأقنعهم بأن نهاية العالم باتت قريبة، وأن الامتناع عن الطعام حتى الموت سيمنحهم فرصة لقاء المسيح ودخول الجنة.

وبحسب التحقيقات وشهادات الناجين، لم تكن عمليات التجويع مجرد ممارسات فردية، بل جرت ضمن نظام منظم فرضته الجماعة على أتباعها، حيث كان الأطفال أول المستهدفين، قبل أن يمتد التجويع إلى بقية أفراد العائلات.

وكشفت المحاكمة أن بعض الضحايا تعرضوا للضرب والتقييد والحبس لإجبارهم على مواصلة الصيام، فيما لقي آخرون حتفهم نتيجة الخنق أو الاعتداء الجسدي المباشر.

غابة تحولت إلى مقبرة جماعية

انكشفت فصول الجريمة في أبريل 2023، عندما بدأت السلطات الكينية عمليات تفتيش داخل غابة شاكاهولا، القريبة من مدينة ماليندي الساحلية، عقب تلقي معلومات عن أشخاص يموتون جوعاً داخل تجمعات معزولة.

ومع توسع عمليات البحث، عثرت فرق التحقيق على مئات الجثث المدفونة في قبور ضحلة، بينها أعداد كبيرة من الأطفال، لتتكشف واحدة من أسوأ الكوارث المرتبطة بالجماعات الدينية المتطرفة في التاريخ الحديث.وتجاوز عدد الجثث المكتشفة 400 جثة، فيما تشير التحقيقات إلى احتمال ارتفاع الحصيلة الإجمالية إلى نحو 500 ضحية، مع استمرار وجود مفقودين وقضايا أخرى مرتبطة بالمأساة.

200 عام خلف القضبان.. وأحكام قاسية بحق المتورطين

وجاء الحكم بعد إدانة ماكينزي في 19 أكتوبر الماضي بجرائم قتل ارتُكبت بين عامي 2021 و2023.

وقررت المحكمة معاقبته بالسجن 100 عام عن جرائم القتل بالتجويع، وإضافة 100 عام أخرى عن جرائم القتل المباشر، على أن تُنفذ العقوبتان تباعاً، ليصل مجموع الحكم إلى 200 عام.

ولم تقتصر الأحكام على زعيم الجماعة، إذ طالت عدداً من معاونيه الذين شاركوا في فرض تعليمات التجويع ومراقبة الأتباع ومنعهم من الهرب، فيما صدرت بحق بعضهم أحكام بالسجن وصلت إلى 160 عاماً.

أطفال دفعوا ثمن معتقدات لم يختاروها

كان الجانب الأكثر مأساوية في القضية هو العدد الهائل من الأطفال الذين فقدوا حياتهم، بعدما حُرموا من الطعام والرعاية الصحية والتعليم، نتيجة خضوع عائلاتهم لتعاليم الجماعة.

وأظهرت شهادات قُدمت أمام القضاء أن بعض الأطفال شاهدوا أشقاءهم يموتون أمام أعينهم، بينما نجا آخرون بعد أيام طويلة من الحرمان من الطعام.

كما كشفت التحقيقات أن ماكينزي كان يحث أتباعه على الابتعاد عن المستشفيات والمدارس والمؤسسات الحكومية، باعتبارها جزءاً من عالم يتعارض مع معتقداته المتطرفة.

أسئلة محرجة للسلطات الكينية

أثارت القضية موجة غضب واسعة، ليس فقط بسبب حجم الجرائم، وإنما أيضاً بسبب التساؤلات حول كيفية استمرار نشاط الجماعة لسنوات دون تدخل حاسم من الجهات المختصة.

فقد سبق أن خضع ماكينزي لتحقيقات واعتقالات في قضايا مرتبطة بنشاطه الديني، ما دفع منظمات حقوقية وأهالي الضحايا إلى المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن تجاهل التحذيرات السابقة.

وأعادت المأساة فتح النقاش في كينيا حول ضرورة تشديد الرقابة على الجماعات التي تستغل الدين للسيطرة على الأفراد، مع ضمان عدم المساس بحرية المعتقد والممارسات الدينية المشروعة.

ورغم صدور الحكم التاريخي، فإن مأساة شاكاهولا لم تنتهِ بالنسبة إلى العائلات التي لا تزال تبحث عن مصير أحبائها، ولا بالنسبة إلى الأطفال الذين فقدوا حياتهم نتيجة أفكار لم يمتلكوا القدرة على رفضها.

لقد بدأت الحكاية بوعود عن الجنة والخلاص، لكنها انتهت بمئات القبور، لتبقى غابة شاكاهولا شاهداً على الكارثة التي يمكن أن تحدث عندما تتحول المعتقدات إلى أدوات للسيطرة، ويصبح الموت ثمناً للطاعة العمياء.

كاتب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى